مجمع البحوث الاسلامية
107
المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته
ما يطلبه ، والبراءة إنّما هي من الشّريك لا من المشرك . فإنّ الخالق كيف يتبرّأ من المخلوق ، ولو تبرّأ منه من كان يحفظ وجوده عليه . والشّريك معدوم ، فتصحّ البراءة منه ، فهي صفة تنزيه ، وتنزيه اللّه تعالى من الشّريك والرّسول صلّى اللّه عليه وسلّم من اعتقاد الجهل . ووجه آخر من ضعف هذا التّأويل الّذي ذكرناه ، وهو أنّ « البسملة » موجودة في أوّل سورة وَيْلٌ لِكُلِّ هُمَزَةٍ الهمزة : 1 ، و وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ المطفّفين : 1 ، وأين « الرّحمة » من « الويل » انتهى . وقد يقال : كون البراءة من الشّريك غير ظاهر من آيتها أصلا ، وستعلم إن شاء اللّه تعالى المراد منها . وما ذكره قدّس سرّه في الوجه الآخر من الضّعف قد يجاب عنه : بأنّ هذه السّورة لا تشبهها سورة ، فإنّها ما تركت أحدا - كما قال حذيفة - إلّا نالت منه وهضمته وبالغت في شأنه . أمّا المنافقون والكافرون فظاهر ، وأمّا المؤمنون ففي قوله تعالى : يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا آباءَكُمْ إلى وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفاسِقِينَ التّوبة : 23 ، 24 ، وهو من أشدّ ما يخاطب به المخالف فكيف بالموافق ، وليس في سورة « ويل » ولا في سورة « تبّت » ولا ولا ، ولو سلم اشتمال سورة على نوع ما اشتملت عليه ، لكنّ الامتياز بالكمّيّة والكيفيّة ممّا لا سبيل لإنكاره ، ولذلك تركت فيها « البسملة » على ما أقول . والاسم الجليل وإن تضمّن القهر الّذي يناسب ما تضمّنه السّورة ، لكنّه متضمّن غير ذلك أيضا ، مع اقترانه صريحا بما لم يتضمّنا سوى الرّحمة ، وليس المقصود هنا إلّا إظهار صفة القهر . ولا يتأتّى ذلك مع الافتتاح بالبسملة ، ولو سلم خلوص الاسم الجليل له . نعم إنّه سبحانه لم يترك عادته في افتتاح السّور هنا بالكّليّة ؛ حيث افتتح هذه السّورة بالباء ، كما افتتح غيرها بها في ضمن البسملة ، وإن كانت « باء » البسملة كلمة و « باء » هذه السّورة جزء كلمة ، وذلك لسرّ دقيق يعرفه أهله ، هذا . ونقل عن السّخاويّ أنّه قال في « جمال القرّاء » : اشتهر ترك التّسمية في أوّل براءة ، وروي عن عاصم : التّسمية أوّلها . وهو القياس ، لأنّ إسقاطها إمّا لأنّها نزلت بالسّيف ، أو لأنّهم لم يقطعوا بأنّها سورة مستقلّة بل من الأنفال . ولا يتمّ الأوّل لأنّه مخصوص بمن نزلت فيه ، ونحن إنّما نسمّي للتّبرّك ، ألا ترى أنّه يجوز بالاتّفاق : بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ * وَقاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ الآية ونحوها ، وإن كان التّرك [ أولى ] لأنّها ليست مستقلّة ؛ فالتّسمية في أوّل الأجزاء جائزة ، وروي ثبوتها في مصحف ابن مسعود رضي اللّه تعالى عنه . وذهب ابن منادر إلى قراءتها ، وفي « الإقناع » جوازها . والحقّ استحباب تركها ؛ حيث إنّها لم تكتب في الإمام ، ولا يقتدى بغيره . وأمّا القول بحرمتها ووجوب تركها - كما قاله بعض المشايخ الشّافعيّة - فالظّاهر خلافه ، ولا أرى في الإتيان بها بأسا لمن شرع في القراءة ، من أثناء السّورة ، واللّه تعالى أعلم . ( 10 : 41 ) القاسميّ : [ عدّ لهذه السّورة عشرة أسماء ، مثل ما تقدّم عن الطّبرسيّ ، وأضاف أربعة أسماء أخرى . ]